الخميس، 15 يونيو 2017

تحقيق العلوم ونابتة القصّاصين !

لا أحب انتقاد أعيان الناس في العلوم فذاك منهج شخصي مُضرّ لكننا ننبِّه على ظواهر مخدومة إعلامياً يُراد لها أن تُشيع في الناس الاضطراب بإعادة التظهير والتركيز على الشبهات وخلط الأوراق، وتجد أن أكثرهم فتنة هم من ركنوا إلى بعض السلاطين فوضعوهم باعةً في دكاكينهم، وتجد أحدهم يفاخر بدوره، وينسى قوله تعالى : (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) ، يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: "وأشد الخلق تعرضاً لهذه الفتنة العلماء فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء، والفرح بالاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبّس عليهم ذلك ويقول: "غرضكم نشر دين الله والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم". 
وقد وجدتُ بالنظر والمتابعة أن كثيراً من هؤلاء أذكياء درسوا أصول العلوم ثم امتازوا بمنهجية السؤال والاستدراك على المسائل غير المدلل عليها فوجدوها كثيرة فاجتهدوا في تبيينها وربما أعجزهم ذلك فانفتحوا على علوم الآخرين من المخالفين فازدادوا تخليطاً وشبهةً حتى تركّب ذلك فيهم وصاروا ممن يتلبّسون بالشبهة مجاهرين بها واستخرجوا منها غرائب أقوالهم.
وقد وجدتُ أن هؤلاء رغم ذكائهم وبحثهم فهم غير محققين وليس لهم جَلَدٌ في بحث المقدّمات وتحليل الظواهر وربط المعطيات ببعضها وذلك أنهم يبحثون في كل فن وفي كل عصر ولم يتخصصوا فصاروا أكثر جرأة على الفتوى وادعاء حسم المقالة، ولذلك ترى بعضهم ممن يهديه الله يتراجع بعد حين ويظهر الندامة .
وبعضهم لا يتمتع بمعرفة تأسيسية في تراثنا التشريعي واللغوي والتاريخي، ولا يتوسع في معرفة مصادر التشريع وفلسفة التشريع ولكنه يتمتع بمنهجية ذكية يستند فيه إلى قراءة تعتمد الأسئلة في شرح كل آية قرآنية ( لماذا، كيف، أين، متى)  ولا تسعفه ثقافته الشرعية ولا اللغوية في تحصيل المعاني فيميل إلى الاجتهاد وبيده بعض المراجع اللغوية السريعة. 
إن مشكلتنا الحقيقية في غياب التحقيق عن كثير من فقهائنا ومؤرخينا ومحدّثينا وعلمائنا المظنونين... الذين اتجهوا صوب التدريس الجامعي أو المنبري وكتابة البحوث غير المفيدة، وتركوا الناس في تيه عظيم وسط هذه الأمواج من الواعظين القصاصين، ولم يناقشوهم ويبينوا لهم الصواب بالمنطق والعلم المحقق . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق