السبت، 23 يوليو 2016

الدليب نخيل الغرب السوداني !

مررتُ بأحدهم يفرش بضاعته في الطريق ، كان يعرض نوعاً معروفاً من الفاكهة " الشمام" ونوعاً آخر غريباً ؛ ظن أنني سأختار الشمّام المشهور  فكيف لمثلي أن يعرف "الدُّليب" تمرة الغرب السوداني !

ثمرة بنية اللون أقرب للبرتقالي إذا نضجت ، استدراتها كاستدراة جوز الهند أو ثمرة الشمام، لها قشرة غليظة ، وقشرة أغلظ في ناحية تدلّيها من الغصن !
تحتاج لقوة في فتحها، ثم ستجد في داخلها ثلاثة من البذور الكبيرة التي تشبه بذور ثمرة المانجو  تحيط بها ألياف برتقالية قاتمة حلوة الطعم ولكنك لا تستيطع فصلها عن البذور لقوة أليافها !

فإما أن تشدّ عليها بأسنانك وتمصّها مصّاً أو تنقعها في ماء لتتحول مادتها إلى عصير منقوع ، واحذر من أن تتركه طويلاً في الحر فما أسرع ما يتخمّر ويصبح شربُه حراماً ؛ وسمعتُ أن بعضهم يطبخ هذه الألياف مع الأرز ويقولون إنه يصبح لذيذاً جداً .
كانت رائحة الدليب نفاذة جداً وتكاد تسيطر على البيت من سرعة انتشارها وقوة حضورها ، ولم يستطِب الأهلُ رائحتَها الغريبة القوية .
إذا كانت الدليب خضراء فيمكن أن تجد داخلها الماء الحلو الزلال، وبذورها غير الناضجة تحتوي مادة هلامية لذيذة الطعم أيضاً .
شجرة الدليب هي من أنواع النخيل الاستوائي ، ذات الأوراق المروحية التي يصل طولها إلى 3 أمتار ... كل نخلة تحمل 8-15 عنقوداً من الدليب، ويمكن أن تحمل الشجرة بعناقيدها نحو 80 دليبة سنوياً.

أوراق الدليب تستخدم علفاً للماشية ، وهي مفيدة لبحّة الصوت أيضاً، ويستخدمونها لسقف المنازل البدائية.
أخشابها الطويلة التي يصل طولها إلى أكثر من 50 متراً يجعلونها أعمدة للبيوت لأن النمل الأبيض لا يقربها، ويستخدمونها في هياكل القوارب وبناء الحظائر ... كما سمعت أن بعضهم يقطع الساق بنحو متر ويفتح فيه تجويفاً ثم يثبته على شجرة أو تلة عالية فسيتقطب النحل البري الجوال ، ويكون فرصة لإنتاج العسل البري الشهي.
كما أن أكل الدليب كثيراً يبيض الأسنان ويجلوها .
والدليبة في العامية السودانية هي الكذبة الكبيرة تشبيها لها بصوت سقوط ثمرة الدليب الشديد على الأرض حتى إن الناس يتجنبون المرور تحتها خوفاً من سقوط دليبة عليها وصوت الارتطام أصبح إيقاعاً إفريقيا مشهورا باسم الدليب .
كما يضرب بها المثل في قلة انتفاع من يقوم على الاعتناء بها إذ إن ظلها لا يكون لصاحبها بل يكون للبعيد بسبب طول ساقها فيقولون : فلان مثل ظل الدليب .


الجمعة، 22 يوليو 2016

الشافعي المشتاق إلى غزة !

ثبت لأهل غزة وما حولها من الشرف أن إمامنا الشافعي رحمه الله قد ولد بها ، ولا ندري موضع ولادته بالضبط فقد أخرجته أمّه الأزديّة صغيراً منها وهو دون العامين بعد وفاة والدة وذهبت به إلى مكة ، ثم ترحّل في الأرض نحو العراق واليمن ومصر وليس له ذكريات طفولة في غزة ولا أصحاب إلا ما يكون في المرء من حب استطلاع للمكان الذي نبت منه ، وقد ذكر ياقوت الحموي المتوفى سنة أي بعد نحو أربعمائة عام من وفاة الشافعي التي كانت في 204 هـ روايةً بصيغة التمريض (يُرْوَى) أن الشافعي قد تشوّق إلى غزة فقال فيها:
وإني لمشتاق إلى أرض غزةٍ ... وإن خانني بعد التفرق كِتماني
سقى الله أرضاً لو ظفرتُ بتربها ...كَحَلتُ به من شدّة الشوق أجفاني
ثم وجدنا ياقوتا الحموي نفسه في مادة ( طنزة) من معجمه البلداني الكبير وهي بلدة في ديار بكر شرقي تركيا في الجزيرة الفراتية ، يثبتها لإبراهيم بن عبد الله الطنزي نقلاً عن كاتب صلاح الدين الأيوبي الشهير بالعماد الأصفهاني ، ولمّا رجعنا إلى كتاب الأصفهاي المطبوع "خريدة العصر وجريدة القصر" وجدناه يثبت البيتين للطنزي وأنه وجدهما بخط الطنزي نفسه:
وإنّي لمشتاق إلى أرض طَنْزَةٍ ... وإن خانني بعد التفرُّق إخواني
سقى الله أرضاً لو ظَفِرْتُ بتُربها ... كَحَلْتُ بها من شدة الشوق أجفاني
ثم شاع البيتان أنهما للشافعي مع تغيير بدائي مكشوف في عجز البيت الأول وبتغيير (طنزة) إلى (غزة) بعد إشارة ياقوت الذي أوردها بصيغة التضعيف دون ذكر من نقل له ذلك، وكأني به ينقلها عن خطيب جمعة أو قاص حكاية أوردها على سبيل المشاكلة لغاية الإمتاع والظرافة .

ولم أجد أحداً من القدماء ذكر البيتين للشافعي ، ولا يغرنّك أن البيتين مذكوران في ديوان الشافعي فمعظم دواوين الشافعي المنشورة تخلو من أي تحقيق علمي في نسبة الأبيات إلى صاحبها، بل إن كثيراً من أشعار الديوان ليست للشافعي، وقد غرّهم ورودها في مخطوطات متأخرة للديوان تعود للحقبة المملوكية صنعها مؤلفوها دون تثبّت ، لاسيما أن الناس ولاسيما من القصاص ظنوا أن كل أشعار الحكمة يصحّ نسبتها للشافعي ، وما يثبت للشافعي من الشعر قليل مذكور في تراجمه القديمة .

سر الذبابة الشجاعة !

كثيرون لا يحبون الذباب فهي وإن كانت رشيقة لطيفة إلا أنها مجنونة مسترذلة مستقذرة منحطّة القدْر سيّئة السمعة ، بسبب انتهازيتها وقبح مطالبتها وإصرارها على التدخّل في خصوصيات غيرها من جنسٍ غير جنسها ، والتصاقها بصاحبها كالصمغ الدبق ، ولو كانت كأختها النحلة المعطاءة لأحبّها الناس وعظّموها.
وكنتُ أقول لأُصَيْحابي: إذا أردتَ خروج الذباب من دارك فافتح له نافذة ضوء باهر فإنه يحب الضوء ويتبعه، وليس كالبعوض الذي يتوحّش في الظلمة ويسود فيها .
والذباب لا يحب البرد لذلك لا تجده نشطاً فظّاً إلا في مواسم الصيف ، وكثيراً ما تشتاق في مواسم البرد لضرب ذبابة بمضربك البلاستيكيّ ، وكم تطرب وتتفاخر إذا نال مضربك خمسة أو تزيد من من تلك الطيارات الهائجة.
وكان الأجداد يقولون إن الذباب لا يطيق أن يكون في دار البعوض ، ولا يجتمعان معاً في مربع واحد صغير ، فإذا تواجها كانت الغلبة للذباب .
وجسد الذبابة مصنوع على هيئة المحارِب الجريء ، بدرع صلبة خفيفة مرنة ، وأقدام طويلة لاصقة ، وعيون بحّارة ناظرة في كل الاتجاهات، وأجنحة شفافة مركّبة على قاعدة متحركة ، مع قدرة تعقُّب هائلة ، وقدرة مناورة لا مثيل لها .
والذباب شجاع لا يجبن عن معركة ، ولا ينسحب أو يتولّى عن زحفٍ متقدِّم إلا لكي يكرّ من جديد ،فإما أن تنال منه عضّة أو مصّة أو لمسة وإمان أن يموت دون هدفه ، ولذلك لا ترى ذباب قط تموت وحدها إذ لا بدّ من قاتلٍ ، ونقطة ضعف الذبابة هو نقطة قوتها إذ إن مخاطرتها تنتهي بموتٍ فظيع تتمزق فيه وتنسحق .
ولذلك تجد الذبان يتعب كثيراً في نهاره لذلك يستريح في ليله كله ، وينشط مع شقوق خطوط الضياء. 
وقد ضربوا المثل بقوة إبصار الذبّان إذ إن الضربات المتلاحقة لا تكاد تصيبها ، وهي كثيرة المراوغة، عجيبة المناورة ، ذات سرعة طيّارة ، فلذلك كان قدماء الأطباء يسحقون بدنها مع الإثمِد ويكحلون به العين ، فتتقوّى الجفون وينشط عصب الإبصار ويقوَى.
وهو شمّام عجيب وأكثر ما يشدّه هو رائحة الشواء والدم ، فهو عنيف بالفطرة يبحث عن المعارك والحروب ويغرز أقدامه في مجاري الدماء وينقل في أقدامه وأجنحته الطاعون والوباء ، كما يحمل بيوض ديدان الموت التي تحلِّل أجساد الموتى في قبورهم .
وأشدُّ ما تخشاه الذبابة أن تموت بنهيق الحمار  لذلك تبتعد عنه كثيراً إلا إن كانت ذبابة صغيرة غير مجرِّبة لم تتعلم من أسلافها وآبائها، وهناك ذبابة انتحارية يقال لها النعر مهمتها أن تدخل أنف الحمار فتقتله لئلا يقتل بني جنسها .
ولطنين الذباب إيقاع غريب ، ولو ركّبه أحد في نوتة وحلّله لوجد فيه لغةً منغّمة ، وأحسب أن في تحليلها تفكيكاً لشيفرات معقّدة تتناول تجارب المخاطرة والمغامرة ، لذلك قالوا إن أحداً لا يستطيع فهم لغة الذباب إلا كان خائفاً قلقاً.
وإذا أحببت سماع صوت ذبابة فارتقِبْ يومَ سقوطها في شبكة عنكبوت أنثى جائعة فستسمع طنينها المتوحِش يتألّم ويرفض الخضوع .
وقد جعل الله في هذه الذبابة عجباً فجعل الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة ، وجعل في جناحها المرض والشفاء منه ... أي أنه جعل فيها التعادل ( ضعف الطالب والمطلوب) ! 

الشافعي السياسي

من المشهور أن كبار علمائنا من السلف الأول كانوا يمتنعون عن السلطة والقضاء ، ولا يحبون الاقتراب من حاشية السلطان ، وكانوا يخشون من الفتنة بالسلطة واحتسابهم من أعوان السلطان .
في واقع الحال فإن هذا الواقع قد دفع بأنصاف العلماء وعلماء السوء من أخذ مكانهم براحة إلى جوار السلطة دون منافسة وقاموا بمهمة تمثيل الجانب الديني الاجتماعي لتبرير أفعال السلطة .
في التجارب القليلة المذكورة فإن حضور العلماء المسيَّسين ذوي الرسوخ العلمي لدى السلطة السياسية قد وفّر لنا محطات تاريخية ما زالت حاضرة الأثر، فرجاء بن حَيْوة وهو تابعي فلسطيني جليل كان إلى جوار الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنيه الخليفتين : الوليد وسليمان، كان سبباً في تولية الصلحاء في مراكز سياسية متقدمة بل إ له الفضل الأكبر في إقناع سليمان بن عبد الملك بتعيين عمر بن عبد العزيز في منصب الخليفة .
الإمام الشافعي رحمه الله خلافاً للأئمة الثلاثة سعى للسلطة سعياً بل إنه طلب مساعدة أمه في رهن منزلهم للسفر في سبيل ذلك ، فاقترب من إدارة ولاية اليمن التي كانت تشمل مكة فعمل مع واليها حتى طار ذكرُه في حسن الأداء وتمام الإنجاز، ثم تولّى نجران مدة عامين ، وقد تحدث الشافعي عن اختلاف بعض التابعين في موقفه من السلطة فبعضهم انتقده وآخرون شجعوه ، وكان من جملة مَن أثني عليه الإمام الجليل سفيان بن عيينة وكان تشجيعه مصحوباً بالتحذير من الثقة بهؤلاء وهو ما كان في مرحلة لاحقة.
وهذا مقام آخر مهم يجدر ذكره فقد كان لمكانة الإمام القاضي الفقيه محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة لدى الخليفة هارون الرشيد الدور الكبير في توفير مظلة حماية للشافعي ذي الثلاثين عاماً عندما حرّض عليه والي اليمن واتهمه بموالاة العلويين ضد الدولة العباسية وحمله مقيّداً من اليمن إلى بغداد .

لقد كان لتجربة الشافعي السياسية الأثر البالغ في فقهه الواقعي، كما أن راتبه من عمله السياسي ساعده على تحسين وضعه المعيشي ووضع أهله وتلاميذه ومنحهم فرصاً للتفرّغ العلمي مما ساعد على انتشار مذهب الشافعي لكثرة تلاميذه وهو الأمر الذي لم يستطعه مجتهدون كبار من طبقته ومن طبقة بعده .

الأربعاء، 20 يوليو 2016

أبو إسحاق الغزّيّ متنبي فلسطين !



ولد الشاعر أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان الكلبي الغزي في مدينة غزة عام 441 هـ ، وفيها نشأ، وتلقى تعليمه الأوليّ ، ثم دفعته ظروفه ، وسوء الأحوال السياسية في بلده قبيل الاجتياح الصليبي لفلسطين إلى دمشق، وأكمل تعليمه فيها على يد أحد علماء بيت المقدس المهاجرين وهو نصر بن إبراهيم المقدسي،  ثم ارتحل إلى بلاد فارس وخراسان وكَرْمان و أواسط آسيا حيث أمضى هناك بقية عمره حتى وفاته.
وله ديوان كبير بتحقيق الشاعر والأكاديمي المقدسي الدكتور عبد الرزاق حسين، وكان شعره كثيراً سائراً ببلاد الجبل وخراسان كما يقول الذهبي الذي وصفه بشاعر العصر وحامل لواء القريض، وهو مشهور بكثرة استخدام فنون القول البديعي واحترافه ومهارته فيها .
وكان يتشوّق في غربته الطويلة إلى أرضه وموطن صباه الذي لم يعدُ إليه، فيقول في تذكّر رحلة له بين غزة وعسقلان :
أين دعواك والغواني عواني   والمعاني واللفظُ حاز المعاني
ونَواكَ الشُّطُون إزماعَكَ الرحـ  ـلةَ من غزة إلى عسقلان
ويظل يذكر غزة أمام الأمراء والسلاطين من ممدوحيه :
قصدتُكَ لا بالشعر من أرض غزةٍ   ولكن بقولي إنني لكَ آمَلُ
ويحكي أن سبب هجرته من غزة هو بعض الأشخاص :
لولاه ما فارقتُ غزةَ هاشمٍ   والشوقُ يحملني على بُرَحائه
ويحكي في شعره متذكّراً أيام صباه الجميلة على أرض غزة:
ما كان أقصرَ عيشاً رقَّ حاشيةً وموعداً غيرَ موسومٍ بإخلاف
أيامَ كنتُ أميراً في برود صِبا  تصبي الكعابَ بأعلام وأفواف
وحَيُّ غزةَ حيُّ العز منتظمٌ  كعقدها من خيامٍ بين أحقاف
ومن روائع تشوّقاته إلى غزة:
وجدّد كربي ذكرُ غزّة هاشم 
وما جدّ بي من شوق تلك الملاعب  
مقام هوى قلبي ومسقطُ هامتي 
ومعنى صباباتي ومغنى أقاربي  
ذكرتُ بذاكَ الرّبع عيشاً طويتُه 
على غرَّة والعيشُ كسوةُ سالب  
ونَدمة قومٍ لا ندامةَ عندهم
من العمر والدّنيا على فوت ذاهبِ  
تُحلّى صدورُ الكتب حتّى تخالها 
إذا أسهبوا فيها صدورَ الكتائبِ  
لئن فلقّوا هامَ الصَّناديد في الوغى 
فقد فلّقوا في المحل هامَ المساغبِ  
ومنْ لي بهمْ لو أيسروا فدعوتهم 
لتخليص شلوي من نيوب النوائبِ  
عسى بينَ أحشاءِ الليالي عجيبةٌ
حبالى الليالي أمّهاتُ العجائبِ  
إذا شاء حلَّ العقدة اللهُ ناطها 
بمسعى ميامين الخُطى والنَّقائبِ  
وهو يحمّل الذاهبين إلى غزّة رسالة مشتاق هدّه البعد:
عرِّج على نفر بغزّة هاشم
صبروا وقِدْحُ الصّابرين منيحُ  
ومتى سُئلتَ فقل رأيتُ متيماً 
لبسَ الشحوب طرازهُ التَّلويحُ 
ويتحسّر على أيامه الأولى بغزة قائلاً:
أينَ أيّامنا بغزَّة والعيـ
 
ـشُ نضيرٌ واللهو رحبُ المجال
  
عاش أبو إسحاق الغزي في ظل الدولة السلجوقية حتى مات في خراسان سنة 524 هـ ودفن في بلخ ، وعمره نحو 83 عاماً ، ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء: كوني من بلد الإمام الشافعي، وأني شيخ كبير، وأني غريب.



لماذا نرفض حكم العسكر !

يأتي أحدهم ويقول: إن هؤلاء الجنود يقدّمون أغلى ما يملكون في سبيلنا فواجبٌ علينا أن نقدّم لهم أعلى ما نملك في سبيلهم !
كان كائناً فصيحاً يطرب الناس لمختار كلامه ويظنونه ينطق بالحكمة المطلقة ، فهؤلاء العسكر هم حرّاسنا وحماة ثغورنا ، لولاهم لما كان هناك استقرار ولا أمان ولا دولة !
بهذه الكلمات كان يخدع الناس فإن أحدنا لا يعترض على رفع مقام العسكري والاحتفاء بنضاله في سياقه العسكري النبيل ، إنما اعتراضنا على وضعه في غير سياقه الذي يُحْسِنه ويليق به ، فمداخل السياسة والمجتمع غير مداخل العسكر والأمن ، ومخارج هؤلاء غير مخارج أولئك .
باختصار:
 نريد ممن يحكمنا إذا اختلفنا معه أن يتعامل معنا بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق النصر والهزيمة ؛ إذا رأى أننا نصيب في معارضتنا فإنّه يَزِن كلماتنا وسلوكنا فيقترب منا إذا رأى مصلحة راجحة ولو كانت قليلة ، ويدعُنا نعارضه إذا وجد في كلماتنا وسلوكنا اتجاهاً نحو الخسارة ، فكل شيء عنده موزون بالنسبة.

ولا نريد حاكماً يرى في معارضتنا له عداوةً فيتعامل معنا كالأعداء فيقرر هزيمتنا والانتصار علينا والوقوف على جثثنا ، ويرى في ذلك حمايةً للشعب ووفاءً للوطن !

نريد هويّة وسطاً منيعة ذات أخلاق ، وهي هوية لا تتربّى إلا في بيئة الحرية ، وبيئة الحرية لا تتعايش مع بيئة العسكري الذي يعتاد نمط إلقاء الأوامر أو تلقّيها، ويستجيب لها بالسمع والطاعة وإذا قصّر فيها عوقب بالسجن أو طلقة في رأسه . 

الاثنين، 18 يوليو 2016

في منزل الإمام الشافعي !


في منزل الإمام الشافعي !
(1)
إذا أردتَ أن تتخيّل الإمام الشافعي فانظر إليه : كان نحيفاً معتدل القامة يميل إلى الطول لطول عنقه، أسمر البشرة ، له عارضان خفيفان يصِلان شعر رأسه بشعر لحيته ، وله لحية لا تزيد عن قبضة يده، وبين أسنانه فلجات (فتحات) جميلة، تُشعِرك بلطفه وخفّة دمه   
كان نحيفاً لكثرة أسقامه وأمراضه، وعلى أنفه أثر من مرض جدري الماء المنتشر قديماً، وكان يلبس عمامة كبيرة كأنها عمائم الأعراب ، تكبّر صورته أمام الناس وهو النحيف المِسْقام .   
له صوتٌ جميل قويّ كالجرس تنشدّ له الآذان وتسترخي من حسنه .
كان للشافعي زوجة واحدة اسمها حمدة بنت نافع وهي من حفَدة الخليفة الراشد عثمان بن عفان – رضي الله عنه ، وكانت له جارية أيضاً يقال لها دنانير، وليس له من الذكور سوى اثنين، والطريف أن كليهما يحمل اسم محمد مثل اسمه، لشدّة ما يحب هذا الاسم، وكان يفرّق بينهما بالكنية، فالكبير يكنى بأبي عثمان على اسم جده لأمه ، والثاني أبو الحسن، وكلاهما كانا من القضاة، وقد مات أولادهما الذكور صغاراً ، فليس للشافعي ذرية تحمل اسمه، وكان له بنت واحدة يقال لها زينب، تزوجت من ابن عم لوالدها اسمه محمد أيضاً ، وأنجبت منه فقيهاً ذكيّاً سَرَتْ إليه بركة جدّه في العلم والفهم ، وهو معروف في كتب الشافعية بلقبه : ابن بنت الشافعي واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله ...
مات الشافعي رحمه الله وهو في منتصف الخمسين من عمره وكان يعاني من نزيف حاد ، نتيجة مرض البواسير ، والعجيب أن مرضه الطويل لم يمنعه عن الدرس والاجتهاد ونشر العلم حتى غدا إماماً مشهوراً مذكوراً .