الثلاثاء، 7 مارس 2017

كلاب الشاباك !

بقلم د. أسامة الأشقر
يسأل بعض طلبة العلم النابهين عن معنى "كلاب الشاباك" في هتافات الجماهير الفلسطينية الغاضبة من اغتيال باسل الأعرج :
" قولوا لكلاب الشاباكْ ... جايِ جايِ الاشتباك "
فأجبتُه مستعيناً بالمعاجم السرية المعتمدة ، ملتزماً بالمنهج العلمي الوصفي التمثيلي:
كلاب الشاباك نوع من الكلاب الهجين البرية المدرّبة كانت تعيش قبل أكثر من ربع قرن متخفّيةً في الظلام وفي شقوق الجدران وأحياناً كثيرة في ظلال الرطوبة المهترئة، ثم تطورت تنازلياً نتيجة تدخّل انتقائي لا آدميّ في الجينات فأصبح لها خصائص استثنائية لتتمكن من المحافظة على هيئتها الخارجية مع إضافات مهنيّة ، أبرزها :
عينان لمّاعتان تمتصّ أشعة الشمس دون أن تذوب من المهانة... ، أجواؤها دافئة ممطرة إسرائيلياً ، باردة جافة طبيعياً وتنقلب حارة جداً فلسطينياً غالباً، تتغذّى بأوراق مُلّاكها السابقين وتقتات من الزهور الطازجة النابتة على قبورهم ، تمتاز بالطاعة المطلقة لصاحبها، والشراهة في الأكل ، والشراسة في التعامل مع غير مربّيها ، ليس لها أسنان طبيعية ، على أنه يجري تعويضها بأسناد حادة مصنوعة في مستوطنة بتاح تكفا تعمل عند اللزوم ثم يعاد تخزينها في مستودعات المربّين حتى اشتعال اللمبة الحمراء ثانية .
دماؤها زرقاء شديدة اللزوجة ويعتقد أنها مخلوطة بالزئبق المكبرَت غير القابل للاشتعال ، يمكن تسخينها بالتمرير على ورقة أوامر صوتية عاجلة .
شديدة النباح عند اجتماع قطيعها أو مرور مربّيها لإطعامها أو عند وقوفها أمام الكاميرات ، وبعد انتهاء الدور تقوم بتسليم ألسنتها النابحة إلى مستودع الأسنان لشحنها مرة أخرى .

 أما الشاباك فكائن خرافي موجود دائماً يمتلك حظائر تتنفّس بالأدخنة وتُسقَى بمجاري الصرف .

الاثنين، 6 مارس 2017

ابن نصير ... قائد فلسطيني فتَحَ الأندلسَ وعينُه على القسطنطينية !

د. أسامة جمعة الأشقر
كان موسى بن نصير اللخمي الفلسطيني فاتح المغرب العربي والأندلس رجلاً مهيباً عظيم الجسم سميناً ، وفيه عرج ربما من أثر المعارك الكثيرة التي خاضها ؛ وكان من التابعين إذ لقِي الصحابي الفلسطيني تميم بن أوس الداري اللخمي أمير بيت المقدس ....
كان والده يسكن في جبال الخليل جنوبي بيت المقدس ، وقد سُبي موسى صغيراً هناك في معركةٍ زمانَ فتوح الشام في عهد أبي بكر الصديق ، ولا ندري إن كان قد سُبي على يد سرايا المسلمين العسكرية أم غيرها فقد كانت قبائل لخم وجذام الفلسطينية لم تحسم خيارها بالانضمام إلى جيوش الفاتحين العرب المسلمين في بداية الفتوح، ثم ما لبثت أن تركت ولاءها للروم البيزنطيين وانضمّت بالجملة إلى الفاتحين.
ومن مصادر استمداد شجاعته ما يُحكى أن أمّه أم موسى اللخْمية شاركت في معركة اليرموك وتمكنت من قتل أحد علوج الروم فيها، وأخذت سلَبَه (عدته القتالية وفرسه) أثناء جرِّه لأحد جنود المسلمين ، ضربت رأسَه بعمود خيمة كبيرة فشدخته، ثم ساعدها الجندي المسلم على إتمام مهمتها؛ وكان أمير مصر عبد العزيز بن مروان والد الخليفة عمر بن عبد العزيز يستحثّها دوماً لحكاية قصتها مع العلج ويضحك لذلك.
ولمّا أظهر عبد الله بن الزبير أمره وأعلن نفسه خليفة في مكة وبايعته الأقطار عدا الأردنّ ، أعلن موسى بن نصير ولاءه لابن الزبير وانضم للضحاك بن قيس في معركة المرج، ثم انسحب إلى فلسطين وانضم لناتل بن قيس فأهدر مروان بن الحكم دمه، ولمّا تحققت هزيمة الزبيريين استغاث بعبد العزيز بن مروان الذي آواه وأمّنه واستصدر من أبيه براءة له وسار معه إلى مصر وأصبح مقرّباً من عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك - وكانت الفتوحات في عهد الوليد - ثم ساءت أحواله كثيراً وأهين في زمان سليمان حتى إنه أوقفه في الشمس الحارقة مدة طويلة حتى كاد يذوب شحمه – وكان موسى سميناً -.
كان موسى بن نصير قائداً عسكرياً خطيراً تمكّن من إخضاع بقية قبائل المغرب العربي وضمّها إلى عسكره وافتتح بهم الأندلس ، وكان طارق بن زياد من قوّاده الكبار المحسوبين .
لم يكن موسى بن نصيراً قائداً بريّاً فحسب بل كان قائداً بحريّاً له صولات وجولات في جزائر البحر المتوسط ، وهو ما أعطته مزية وخبرة في التخطيط لافتتاح الأندلس .
وكان موسى بن نصير يخطط لافتتاح القسطنطينية من جهة الغرب الأوروبي ، ويروي المؤرخون أنه لمّا تمادى في سَيره في الأندلس، أتى أرضاً تميد بأهلها من شدة مقاومتهم ، فقال عسكره: إلى أين تريد أن تذهب بنا ؟ حسبنا ما بأيدينا، فقال: لو أطعتموني لوصلت إلى القسطنطينية، ثم رجع إلى المغرب وهو راكب على بغله "كوكب"، وهو يجرّ الدنيا بين يديه؛ ويقال إن الخليفة الوليد بن عبد الملك هو من أوقف تقدّمه إلى القسطنطينية.
من تجاربه المذكورة له:
قال له الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك يوماً: ما كنتَ تفزع إليه عند الحرب ؟ قال: الدعاء والصبر.
 قال: فأيّ الخيل رأيت أصبر ؟
قال: الشُّقر.
 قال: فأيّ الأمم أشد قتالا ؟
قال: هم أكثر من أن أصِف.

 قال: فأخبِرني عن الروم، قال: أُسْدٌ في حصونهم، عُقْبان على خيولهم، نساءٌ في مراكبهم، إن رأوا فرصةً انتهزوها، وإن رأوا غلبةً فأوعالٌ تذهب في الجبال، لا يرون الهزيمة عاراً.

صُدْفة محظوظ !

لقيته مرحِّباً مهنئاً : ما هذه الصُّدفة الرائعة !
قال متجهِّماً : لا تقل صدفة بل قدر من أقدار الله !
قلت له : وهل الصدفة يا صديقي إلا قدر من أقدار الله ، قدرٌ لم أكن أتوقّعه وأنتظره ولا تتوقعه أنت ولا تنتظره، وليس له مقدمات ومسببات متفق عليها بيننا ، أي أننا لم نخطط له ولم نوقِّته في ميعاد، ولا يستلزم وجود أحدهما وجود الآخر .
ثم قلت له: وهذا من حظي السعيد أن أبيِّن لك هذه المسألة :
فتجهّم مرة أخرى: لماذا تقول: الحظ ! بل عليك أن تقول هذا قدر سعيد من أقدار الله !
تبسمت ثانية وأجبته الجواب الأول: وهل الحظ إلا قدر جميل أو مُصابٌ من أقدار الله ! فالمرء له حظّه أي نصيبه المقدّر له، وله حظ عظيم موعود به ، وهو مكتوب أيضاً ) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (، وتقلّبات الحظ في شيء هي أقدار الله فيه .
عندما ألاقيك من غير ميعاد ولا تخطيط فأبتهج للقياك فهذا من استدعاء الأرواح المؤتلفة المجنّدة ، وعندما أكون على عداوة معك فأصادفك أو أجد حظاً من التمكّن منكَ فهذا أيضاً من الصدف العزيزة والحظوظ العالية .
وعلى كل حال فالصدف والحظوظ محتملة التقدير الحسابي على حساب الاحتمالات المرتبطة بعوامل يقدّرها الله ويجعلها كرامةً أو أجراً معجّلاً لواحد من عباده فيكثر حظه، ويأنس بمصادفاته ، ويعدّها من الرسائل المطمئنة من الخالق العظيم .
ثم لماذا تتشددون على الناس في أمرٍ درجوا على استخدامه على سبيل المسامحة والمجاملة والألفة كأن يترافق دخولك على بيت أحدهم مع عودة التيار الكهربي ، ولم يكن مقصودهم الصدفة الفلسفية المطلقة التي يقول بها بعض مذاهب الملاحدة الدهريين الزاعمين خلو النظام الكوني من التدبير الإلهي والخلق الابتدائي .
والكلمة أيضاً من الكلمات المألوفة في اللغة بمعنى اللقيا على غير ميعاد ، ولم يفهم منها الناس من القديم هذا الاعتراض الشرعي ، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: فَانْطَلَقْتُ بِهِ ( يعني بعبد الله بن أبي طلحة ) إِلَى رسول اللَّهِ فصادَفْتُهُ ومعه مِيسَمٌ ... وقد حكى ربنا عن قارون قول الناس فيه ( إنه لذو حظ عظيم) . 


الخميس، 15 ديسمبر 2016

السردين

السردين !
وأطيب موائد السمك صينية أفراخ سمك السردين الصغيرة التي نسمّيها "البذرة" تبهّر بالبهارات ويقطع حولها البصل وتملح وتخلط بالطماطم الطرية الطازجة، ثم تجعل في الفرن، أو يقلى السردين المتبل في مقلاة الزيت ، فتزرد السمكة الصغيرة مرة واحدة دون أن تسحب حسكة منها فحسكها طريّ شهي!
وإذا كبر السردين وأصبح شبراً فإنه مثاليّ للفسيخ، تملّح جوفه المفتوح بالملح الصخري، وتنشره على سطح المنزل ثم تخزنه في وعاء مضغوط خالٍ من الهواء ، ثم تأكله بعد حين نيئاً أو مقليّاً ، وبعضهم يجعل أكله من شعائر أول أيام العيد الاجتماعية .
وكنت أظن السردين كلمة حديثة العمر ، وهي أقرب ما تكون في مبناها إلى جزيرة سريدينا الإيطالية الجنوبية في غربي البحر المتوسط جنوبي جزيرة كورسيكا ، وهكذا قالت بعض المعاجم الحديثة، إلا أنني وجدت استخداماً قديماً لها في مصادرنا العربية فقد ذكرت المصادر الأندلسية أن الخليفة الحكم الأندلسي أحصى كل ما يباع له بقرطبة من السمك المسمى بالسردين المجلوب من ذلك الساحل خاصة ، وتحدث لسان الدين ابن الخطيب الغروناطي عن سردين مدينة مرلة الأندلسية، ثم وجدت ابن بطوطة يذكر السردين في موضعين من رحلته إلى الهند وبلاد المليبار ، وقال إن أهل تلك المناطق يطعمون دوابهم وأغنامهم منها، وتحدث أنهم يأكلون السردين النيء المملح.
وبما أنني وليد البحر فإن أكثره كان يأتينا أولَ الشتاء في أسراب هائلة قرب الشواطئ الأكثر دفئاً من جوف البحر البارد تنتظرها زوارق الصيادين الخشبية بشباكهم القديمة تحيط بها من كل جانب ، وما زلتُ أذكر كيف تُلقى منه المئات في الساحل وقرب أسواق السمك فلا نكاد نستطيع الاقتراب منها لكثرة الذباب وشدة الروائح العفنة ؛ وأذكر أن أمي كانت تصنع منه الفسيخ أحياناً وتكلّفني بنشره فوق شوال منسوج في أعلى سطح المنزل بعيداً عن الظلال ، وكانت رائحته في أول التنشيف شديدة قاسية !
ولا يتخذ الفسيخ من السردين فحسب بل يصنعونه من البوري والرنجة من أسماك البحر، ولكن السردين هو الأشهى عندنا؛ ويمكن أن تصنعه الناس من أسماك المياه العذبة ، وما يزال نوبة السودان ومصر يصنعونه ولهم فيه تقاليد عريقة تعود إلى حقب فرعونية قديمة فتجدهم يسمونه "الملوحة" وهي الفسيخ الصعيدي ويصنعونه من سمك الكلابي، ويتناولونه في شم النسيم أكثر، ومنه نوع أشد فتكاً أكلتُه في حلفا في أقصى شمال السودان على ضفة بحيرة النوبة على الحدود مع مصر يقال له "التركين"، وأكثر فسيخ السودان النيلي من سمك الكوارة والكاس ، وأشهاه اليوم ما تصنعه السيدة هدى على ضفة سد جبل أولياء جنوبي الخرطوم.
وفي تاريخنا القديم نجد أن محمد بن مروان شقيق الخليفة عبد الملك صادر بحيرة خلاط في أرمينية للاستيلاء على إنتاجها من سمك الطِّرِّيخ الصغير الموسمي الذي يملّح ويصدّر إلى بلدان كثيرة في العراق وفارس وجزيرة العرب .
وورد في آثار الصحابة معرفتهم بالسمك المملح المعروف بالصّير كما في حديث المعافري المصري مع عبد الله بن عمر بن الخطاب في حضرة أم المؤمنين زينب كما في سنن البيهقي؛ وفهمنا من هذا الأثر أنه طعام ينتشر بمصر ، فعرفنا أنه الفسيخ ؛ ومن هذا الصير المملّح يصنعون طبق " الصَّحْناة " وهو إِدام مطبوخ معروف في العراق أكثر؛ وقد فسّر التابعي الجليل سعيد بن جبير طعام البحر في قوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ) بأنّه الصّير، كما في تفسير الإمام الجليل الطبري .

ثقافة هدم الآثار !

(وعندما أصبحت النصرانية دين دولة القسطنطينية الرسمي أمر القيصر ثيودوز في سنة 389م بهدم جميع تماثيل الآلهة المصرية القديمة، ومعابدها وجميعِ ما يذكِّر الناسَ بها ، واكتفى بتشويه كتابات المعابد المصرية التي كانت من المتانة بحيث لم يقدر على هدمها؛ وما تزال مصر ملأى بأنقاض ذلك التخريب الذي أملاه التعصب ، وتعد تلك الأعمال من أفظع ما عرفه التاريخ من أثر عدم التسامح والبربرية ، ومن دواعي الأسف أنْ كان من بواكير أعمال ناشري الدين الجديد الذي حل محلّ دين الإارقة والرومان هدمُ المباني التي احترمها أكثر الفاتحين منذ خمسة آلاف سنة ).
حضارة العرب غوستاف لويون 206


هل نقول: يقبع الأسير في سجنه ؟

تستفزّني حميّة الغضب عندما أقرأ لأحدهم أو أسمع له كلمة في حق أسرانا في سجون الاحتلال إذ يقول: إنه يقبع في سجون المحتل !
أكاد أرتجّ من سوء استعمال هذه الكلمة ، وهي كلمة مصورة مأخوذة من متأدِّبة الزمن الحديث فلا تكاد تجد لها استعمالاً قديماً، لكون استخدام "قبع" لا يكاد يكون إلا في سياق نفسي واجتماعي فيها إهانة وذل وربما ورَدَ عليها الألمُ والهمّ ... فالقنافذ تقبع أي تدخل رأسها مستخفِيةً في جلدها الشوكيّ خوفاً وحذراً وتتدوّر على نفسها ابتغاء السلامة ، وهذا لا يليق بأسير مناضل منافح ؛ والخنزير يقبع ويخنخن عندما يجرّ أنفاسه إلى صدره ويُصْدر صوتاً من جوفه الممتلئ بالقذارة وهو ما لا يفعله أسير غافَلَه عدوُّه فتمكّن منه؛ والطير البغاث الصغير ينقبع إلى جحر جرَذ قبيح إذا ضربه غلام بحجر ... ونحن نعلم أن التشبيه لا يقتضي المشابهة لكن وجوه الشبه إذا احتشدت على مساءة فلا ينبغي إلحاقها بما هو شريف نبيل.
وكأني بهؤلاء المتأدبة قد جعلوا من السجن قميصاً يقبع فيه لابسه إذ يدخل رأسَه فيه ؛ وللأمانة فقد جعلوا تلك الكلمة مرتبطة بالمتهم السجين الذي يعاقَب على جريمته فيتلبّس بالمهانة والذل ، ثم وجدنا الناس يعممونها على كل سجين وأدخلوا فيهم الأسرى بجامعِ سلْبِ الحرية لكليها ، وشتّان ما هما ؛ فالتقبّع مقترنٌ بالتفزّع والمهانة والقلق والرعشة والتحيّر .
والرأي عندي ألا تستخدموا هذه الجملة: يقبع الأسير في سجون الاحتلال ... إذ هي لا تليق به ، ولا حاجة لاستخدامها في هذا المقام بالمرّة.  

أيّ الصامتين أنت !

لطالما صنّف الحكماء الصمتَ على أنه من مراتب المكارم العالية، وجعلوه من طباع العقلاء، وجعلوا ترك الصمت من صفات الأشقياء، وأفاضوا في تحسين الصمت؛ وفاتهم أن ثمّة صمتاً هو كالداء العضال لا يقترن بحكمة ولا مكرمة ولا عقل ولا فضيلة، وهو أنواع كثيرة؛ ويجمعها كلها شر كبير وهو أن الصمت أكثر علاجات الغضب نجاحاً ، وهو بداية التدجين ، وشريعة الترويض، ومن أنواعه :
صمت البقاء: إذ يظن المرء أن الصمت ينجيه من غيابة الحبس والتعذيب فيطيل الصمت حتى يأْسَنَ ماؤه ويفسد طبعه فيكون هو خشبة الكرسيّ سواء ، فيقولون: الصمت حكمة قليل فاعله، ومن حفظ لسانه أراح نفسه ... .
ومنه صمت التواطؤ وهو أن يكون قادراً على الفعل المغيِّر أو الكلام المؤثِّر ولكنه يؤخرهما فيصمت في الحين لتمرير جريمة مقابل مصلحة .
ومنه صمت العجز ، وهو الذي يتوجّع صاحبُه من الحديث فيه ، ويرى أن الحديث - وهو مقيد اليدين عاجز عن مدّ يد المساعدة - يثير نفسه ويحزنها ويصيبها بالكآبة ، ويدفعها للإحباط فيلجأ للصمت راكناً إلى جنب بعيد يبكي على نفسه .
ومنه صمت القرَف : وهو ذاك الشخص الذي لا يملك التأثير بفعله فيكثر الحديث حتى يملّه الناسُ ويملّ من الناس ، فيتحوّل الكلام عنده إلى معنى فَطِير ، ويرى ألا قيمة فيه ، فيؤثر الصمت وينكبّ على الفُرْجة والاستماع.
ومنه صمت السياسة: إذ يعلم أن سكوته على أمر سيدفع به نحو تأمين محلّه ، وإبعاد نفسه عن مشهد ملتهب قد يضره الخوض فيه فيطوي ما يراه ويسمعه ويفتح صفحة جديدة ، ويرى أن الصمت خيار المصلحة .
ومنه صمت الغافل الذي لا يعنيه شيء ولا يهتم لكارثة أحد ما دامت لم تحلّ عليه ويقول دائماً : اللهم حوالينا ولا علينا ... .

وفي الجملة فأنواعه المعدودة بحسب الأحوال تكاد تبلغ المائة أشرت إليكم بطرف منها .