الجمعة، 14 أبريل 2017

أيام غزيّة



( مشهد الاستسقاء في مدينة غزة في العصر العثماني )

كنت حينها شاباً في ربيع أيامي دون الألف عام و كان الربيع لا يزال غضّاً يحبو ولا يزال المطر ينهمر عندما تقوّس قوس قزح فصاح عجوز سبعيني : إن قوّست باكِرْ خود العصا وسافِرْ !!!

وكان كما قال الشيخ فقد كانت سنابل القمح قد تطاولت قليلا وبلغ طولها شبرين وكانت تحتاج إلى أيام ممطرة لتكون بقامة الرجل المعتدل القوام لكن هذه السنابل اليوم اصفرّت وغار بهاؤها وغدت أشبه بهشيم التبن لولا بقية اخضرار كانت تلمع في بعض سيقانها تستصرخ المطر أن ينزل .

بلغ الحر مداه في هذا الربيع واشتدت النفوس فإن هذا إن دام فإنه يعني نهاية الموسم وخراب الديار !!

يا الله ... أجر عبادك والطف بهم!! .

وفي الليل يشتد تصايح بنات آوى الجائعات فيقتربن من البيوت كثيراً بصياحهن المرعب فتهرع إليها كلاب الحارة وتشتبك معها في معارك دموية تنتهي عادة بانسحاب بنات آوى ، ويتجدد اللقاء الدموي كل يوم .

في ذلك الصباح الضاحي الحار تجمّع شيوخ الحارات وفلاحوا الحقول ونظّار المناطق ومخاتير الأحياء في ساحة مسجد السيد هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم بينما تقاطر عليهم شيوخ الطرق الصوفية مع مريديهم بأعلامهم وراياتهم الخضراء والسوداء والبرتقالية والحمراء وهم يترنّمون بأورادهم ويضربون بصاجاتهم ويقرعون طبولهم الضخمة كطبول الحرب ويتطوحون في حلقات يدور بعضهم في الحلقة على بعض وقد رفعوا عقائرهم بترديد لفظ الجلالة في طرب وخشوع وتهدّج :

الله الله الله

بينما رأينا شيوخهم ينبسون بكلمة خفيفة بصوت خفيض :

هُو هُو هُو

ويردد معهم بعض المريدين :
لا إله إلا هو ...

لثلاثة أيام متعاقبة تواصلت الحضرات وافترشت مطارح الذكر ونصبت خيام التوبة بينما اشتدت جراءة بنات آوى على البيوت في أطراف الحقول طمعا في دجاجة أو أرنب واشتدت معها شراسة كلاب الحقل وبدت غاضبة مستفزة على الدوام ، واشتدت صفرة أرض غزة وبدت حبات رمال غزة كأنها مفروزة عن بعضها لشدة الجفاف .
في اليوم الرابع احتشد الصبيان والجواري الصغيرات في صفوف غير منتظمة وبدؤوا بترتيل الأناشيد والأهازيج الشعبية :


سيّدْ   هاشمْ    نسترجيكْ  رشق المطر  يرقع  فيك
يا الله المطرْ يا الله السيلْ
 اسقي زرعك  هالعطشان
حط  القمح   في   الجرّة  واستنّى    رحمِةْ     ألله
حط  شْعيركْ  في  بيركْ  واستنّى:   الله    يجيركْ

ومع غناء الأطفال الخاشع جرت مسيرات الصوفية يتبعها أهالي عموم غزة صوب جبل المنطار حيث أُعدّ المكان للصلاة وما لبث قاضي غزة أن خلع جبته ولبسها بالمقلوب كما السُّنة وصلى بالناس صلاة الاستسقاء.
بعد الصلاة أتى الحمار الأبيض يجر وراءه محراثاً فحرث خطاً طويلاً ، ثم جاء مشايخ الطرق والمبروكون فاستلموا المحراث وحرثوا خطوطا أخرى ثم جلسوا جميعا متوزّعين على شقوق المحراث يبتهلون إلى الله ويدعونه ويستسقونه .
ثم توجهت مواكب الصوفية إلى ضريح (سيدنا المنطار) وأنشدوا :


يا  منطارْ   نسترجيكْ   رشق المطر يرقع فيك

ثم اتجه الموكب يتقدمهم شيخ حارة التفاح صوب سيل المنطار ثم حارة التفاح فطافوا على أولياء الحارة وهم يستغيثون بأولياء الحارة ويستنجدون بكراماتهم .

تبدد القلق المصبوب على قلوب الغزيين لمّا رأوا مخايل السحب تتكثف قرب بحر غزة فطار الناس إلى البحر يستنجزون رحمة الله إلا أن شيوخ" النحاحلة" و"البروس" وضعوا أرجلهم في غرز أرضهم على شاطئ البحر وقالوا : أملاكنا حسب الطابو حتى سابع موجة في البحر، ومَن يقترب نقطع رجله ورجل أبيه ، فدهش الناس واقترب منهم علية القوم ووجهاؤهم يسألونه العطف بالناس فأبوا واشتطوا في الإباء حتى كاد القتل ينشأ بينهم لولا أن السحابة السوداء تبددت جهة البحر وقدمت أخرى من جهة الجنوب وهطل غيثها على أنحاء غزة دون شاطئها .

فرح الغزّيون أيما فرحة بهطول الغيث فانكبوا يحتفلون بهذه المناسبة ونفرت النساء إلى بيوتهن لإعداد الكعك ومعقّدة الليمونية والخبز .
لكن الوقود قليل، والخشب اليابس استولت عليه رجالات المتصرفية فتعاهد أهل الدرج ومن جاورهم خاصة على ألا يخبزوا إلا في فرن واحد رغم أن كل بيت تجد فيه فرنا ؛ وراح شباب الدرج يجمعون القصل "التبن الخشن " ويمزجونه بروث البقر ويجففونه في الشمس على هيئة أقراص ثم يجعلونه بين أيدي النساء لاستخدامه وقودا؛ ويحلو الحديث بين نساء الدرج المجتمعات فيتبسّطن في الحديث عن فلانة وفلانة وفلان وعلان وهيّان وبيّان وصلعمة وقلعمة.


هناك تعليق واحد:

  1. مشهد الاستسقاء مهيب .. الناس تفزع إلى الصلاة صحيح, لكن ما أذكره من الصغر أن الناس - وقت انقطاع المطر - تلقائيا يشعرون بالانكسار و الافتقار, و هي - سبحان الله - معان مطلوبة لتليين القلوب و ترقيق النفوس .. بورك في قلمك.

    ردحذف